السيد محمد الصدر

30

نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان

بها حرية التصرف وإبداء الرأي ويمكن أن يراد بها الحرية في مقابل مُلك الإنسان للإنسان . والاحتمال الأول وإن كان مرجَّحاً إلا أنه من المحتمل أنهم يريدون بالحرية تلك الحرية الناشئة من الولادة ، وليست تلك الحرية إلا امتلاك ما كان في قبال ملك الإنسان للإنسان . أما حرية التصرف وإبداء الرأي ، فالإسلام إنما يُقِرُّها في حدود معينة . مستقاة من وجهة نظره الخاصة ، ولم يكن من الممكن أن يُبِيحَ الحرية المطلقة الخارجة من كل قيد وشرط ، لما يترتب عليها من التفسُّخ والفساد واضمحلال الأخلاق واعتداء الإنسان على الإنسان ، كما أن سائر القوانين لم تُجِز هذه الحرية بمعناها المطلق ، بل وضعتها في حدود معينة مستقاة من وجهة نظرها وفلسفتها الخاصة . وإذا كان لا بد من تقييد الحرية المطلقة لأجل حفظ النظام واستتباب الأمن وسيادة القانون . فالمشرِّع الحاذق هو الذي يضع الحدود عليها بأحسن شكل ، يمكن به تجنب مساويها ، وليس هو المشرع الذي يضع أقل كمية من الحدود ، وكذلك فعل الإسلام في تشريعه الحكيم لمجتمعات العالم كافة . فالإسلام ذلك الدين القَيِّم الذي أنزل إلى البشر ليخرجهم من الظلمات إلى النور ويهديهم إلى الصراط المستقيم . قد وضع الحدود على الحرية بشكل يمنع الإنسان من الفساد ، وينزِّهُهُ عن الموبقات ، ويسمو به في درجات العدالة والكمال . فهو إنما يُبيحُها في حدودٍ من تعاليمه الدينية والواجبات الأخلاقية ، وعدم الاعتداء على حقوق الآخرين . وسوف نستوفي البحث حول سائر جهات الموضوع عند تكرُّر التأكيد على الحرية في هذا الإعلان ، وخاصة في المادة الرابعة والحادية عشر منه ، إن شاء الله تعالى .